ابن قيم الجوزية
589
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
والمزيل لكل فتور ، والحامل على كل صدق ، وإخلاص وإنابة . وصحة معاملة - إلى أمر مشوب بصولة الهيمان . تضربه أمواج الفناء ، بحيث غلب قوما على عقولهم ، وسلب قوما صبرهم بحيث صيرهم في عالم الفناء ؟ . ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : لم يكن ليسأل حالة الفناء قط . وإنما سأل شوقا موجبا للبقاء ، مصاحبا له . موجبا له طيب الحياة ، وقرة العين ، ولذة القلب ، وبهجة الروح . وصاحب المنازل : كأنه فهم منه اشتياقه إلى المشاهدة من غير غلبة على عقل ، ولا فقد لاصطبار . ولهذا قال : « من غير ضراء مضرة » وهي الغلبة على العقل . « ولا فتنة مضلة » وهي مفارقة أحكام العلم . وهذا غايته : أن يؤخذ من إشارة الحديث على عادة القوم . وأما أن يكون هو نفس المراد : فلا . وإنما المسؤول : أن يهب له شوقا إلى لقائه . مصاحبا للعافية ، والهداية . فلا تصحبه فتنة ولا محنة . وهذا من أجل العطايا والمواهب . فإن كثيرا ممن يحصل له هذا لا يناله إلا بعد امتحان واختبار : هل يصلح أم لا ؟ ومن لم يمتحن ولم يختبر فأكثرهم لم يؤهل لهذا . فتضمن هذا الدعاء : حصول ذلك . والتأهيل له ، مع كمال العافية بلا محنة ، والهداية بلا فتنة . وباللّه التوفيق . واللّه أعلم . قال : « الدرجة الثالثة : أنس اضمحلال في شهود الحضرة . لا يعبّر عن غيبه ، ولا يشار إلى حده . ولا يوقف على كنهه » . « الاضمحلال » الانعدام . و « شهود الحضرة » هو مشاهدة الحقيقة . والفناء في ذلك الشهود . قوله : « ولا يعبر عن غيبه » إلى آخره . حاصله : أن هذا أمر وراء العبارة . لا تناله العبارة . ولا يحاط به عينا . ولا حدا . ولا كنها . ولا حقيقة . فإن حقيقته : تستغرق العبارة ، والإشارة ، والدلالة . وفي وصفه يقول قائلهم : فألقوا حبال مراسيهم * فغطاهم البحر . ثم انطبق وههنا إنما حوالة القوم على الذوق . وإشارتهم : إلى الفناء الذي يصطلم المشير وإشارته ، والمعبر وعبارته ، مع ظهور سلطان الحقيقة التي هي فوق الإشارة ، والعبارة ، والدلالة . واللّه سبحانه وتعالى أعلم . منزلة الذكر ومن منازل « إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » منزلة « الذكر » . وهي منزلة القوم الكبرى ، التي منها يتزودون . وفيها يتجرون . وإليها دائما يترددون . و « الذكر » منشور الولاية ، الذي من أعطيه اتصل ، ومن منعه عزل . وهو قوت قلوب القوم ، الذي متى فارقها صارت الأجساد لها قبورا . وعمارة ديارهم . التي إذا تعطلت عنه صارت بورا . وهو سلاحهم الذي يقاتلون به قطاع الطريق . وماؤهم الذي يطفئون به التهاب الطريق . ودواء أسقامهم الذي متى فارقهم انتكست منهم القلوب . والسبب الواصل ، والعلاقة التي كانت بينهم وبين علام الغيوب :